من هو الحلاج ؟

:الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد

فهذه كتابة يسيرة حول شخصية غريبة تكلم عليها جمع من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم العقدية والفقهية ، جمعت شيئا من أخبارها ليكون التصور عنها شاملا وواضحا بإذن الله تعالى… وأتمنى منك أيها القارئ الكريم أن تقرأ في هذه السطور بعض الجوانب المتعلقة بشخصية الحلاج وسيرته ، ولتحكم بنفسك هل تميزت شخصيته بالعقل والحكمة والإبداع وقدمت للناس ما فيه نفع وخير أم كانت شخصيته على خلاف ذلك؟!

وجعلت المقال على شكل نقاط رئيسة وتحت كل نقطة اذكر شيئا من كلام أهل العلم ، وقد آن أوان الشروع في المقصود فاللهم أعن ويسر يا كريم:

[ اسمه وبدايته ]

1-قال عبدالقاهر البغدادي في الفرق بين الفرق : وأما الحلاجية فمنسوبون إلى أبي المغيث الحسين بن منصور المعروف بالحلاج ، وكان من أرض فارس من مدينة يقال لها : البيضاء ، وكان في بدء امره مشغولا بكلام الصوفية ، وكانت عباراته حينئذ من الجنس الذى تسميه الصوفية الشطح وهو الذي يحتمل معنيين : أحدهما حسن محمود والآخر قبيح مذموم ، وكان يدعي أنواع العلوم على الخصوص والعموم ، وافتتن به قوم من أهل بغداد ، وقوم من أهل طالقان خراسان ، وقد اختلف فيه المتكلمون والفقهاء والصوفية ، أما المتكلمون فأكثرهم على تكفيره وعلى أنه كان على مذاهب الحلولية…

2-قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : الحسين بن منصور الحلاج يكنى أبا مغيث، وقيل: أبا عبد الله ، وكان جده مجوسيا اسمه محمي من أهل بيضاء فارس.

نشأ الحسين بواسط ، وقيل: بتستر، وقدم بغداد، فخالط الصوفية، وصحب من مشيختهم الجنيد بن محمد، وأبا الحسين النوري، وعمرو المكي.

والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى الحلاج أن يكون منهم، وأبى أن يعده فيهم، وقبله من متقدميهم أبو العباس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشيرازي، وإبراهيم بن محمد النصراباذي النيسابوري، وصححوا له حاله، ودونوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني.

ومن نفاه عن الصوفية نسبه إلى الشعبذة في فعله، وإلى الزندقة في عقده، وله إلى الآن أصحاب ينسبون إليه، ويغلون فيه.

[ الحلاج والجرأة على الله ]

1-قال الحلاج  في ديوانه :

سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ نَاسُوْتُهُ … سِرَّ سَنَا لاَهُوتِه الثَّاقِبِ

ثُمَّ بدَا فِي خَلْقِهِ ظَاهِراً … فِي صُوْرَةِ الآكِلِ وَالشَّارِبِ

حَتَّى لَقَدْ عَايَنَهُ خَلْقُهُ … كَلَحْظَةِ الحَاجِبِ بِالحَاجِبِ

2-وقال في ديوانه أيضا :

رأيت ربي بعين قلب …فقلت من أنت قال أنتَ

3-وقال في ديوانه :

ألا أبلغ أحبائي بأني … ركبت البحر وانكسر السفينه

على دين الصليب يكون موتي … ولا البطحا أريد ولا المدينة

4-وقال أيضا :

لست بالتوحيد ألهو … غير أني عنه أسهو

كيف أسهو كيف ألهو … وصحيح أنني هو

5-ويقول في كتابه الطواسين :

جحودي فيك تقديس … وعقلي فيك تقديس

وما آدم إلاك … ومن في البين إبليس

6-ونقل أبوحامد الغزالي في كتابه الرد الجميل أنه قال : أنا الله وما في الجبة إلا الله!

7-وقال القاضي عياض في الشفا : وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية، وقاضي قضاتها أبو عمر المالكي على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية ، والقول بالحلول وقوله :أنا الحق.

[ الحلاج والسحر ]

1-قال ابن النديم في الفهرست : قرأت بخط أبي الحسين عبيدالله بن أحمد بن أبي طاهر طيفور : كان رجلا محتالا مشعبذا يتعاطى مذاهب الصوفية يتحلى ألفاظهم ويدعي كل علم ، وكان صفرا من ذلك وكان يعرف شيئا من صناعة الكيمياء.

2-قال المعري في رسالة الغفران : وأدل رتب الحلاج أن يكون شعوذيا ، لا ثاقب الفهم ولا أحوذيا ، على أن الصوفية تعظمه منهم طائفة ، ما هي لأمره شائفة.

3-وروى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بإسناده إلى علي بن أحمد الحاسب قال : سمعت والدي يقول : وجهني المعتضد إلى الهند لأمور أتعرفها ليقف عليها وكان معي في السفينة رجل يعرف بالحسين بن منصور ، وكان حسن العشرة طيب الصحبة ، فلما خرجنا من المركب ونحن على الساحل والحمالون ينقلون الثياب من المركب إلى الشط ، فقلت له : أيش جئت إلى هاهنا ؟ قال : جئت لأتعلم السحر وأدعو الخلق إلى الله تعالى !

[ الحلاج والإخبار عن الغيب ]

روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن ابن الحلاج حمد أنه قال عن والده : وكان يتكلم على أسرار الناس وما في قلوبهم ، ويخبر عنها فسمي بذلك حلاج الأسرار ، فصار الحلاج لقبه.

[ الحلاج والتلون ]

1-قال التنوخي في نشوار المحاضرة : حدّثني أبو الحسن بن الأزرق قال: لما قدم الحلّاج بغداد يدعو، استغوى كثيرا من الناس، والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى، لدخوله من طريقهم…

2-وقال أيضا: وقال لي أبو الحسن: وكان الحلّاج يدعو كلّ قوم إلى شيء من هذه الأشياء التي ذكرها أبو سهل، على حسب ما يستَبِله طائفة طائفة.

3-قال ابن الجوزي في المنتظم: قال أبوبكر الصولي : قد رأيت الحلاج وجالسته ، فرأيت جاهلا يتعاقل، وغبيا يتبالغ، وفاجرا يتزهد، وكان ظاهره أنه ناسك صوفي، فإذا علم أن أهل بلدة يرون الاعتزال صار معتزليا، أو يرون الإمامة صار إماميا، وأراهم أن عنده علما من إمامتهم، أو رأى أهل السنة صار سنيا ، وكان خفيف الحركة مشعبذا، قد عالج الطب، وجرب الكيمياء، وكان مع جهله خبيثا، وكان يتنقل في البلدان.

[ الحلاج وتحريف الشريعة ]

قال التنوخي في نشوار المحاضرة : وحدّثني أبو الحسين بن عيّاش عمن حضر مجلس حامد ابن العباس الوزير وقد جاءوا بدفاتر وجدت للحلّاج، فيها:

إنّ الإنسان إذا أراد الحجّ فإنّه يستغني عنه، بأن يعمد إلى بيت من داره، فيعمل فيه محرابا ذكره، ويغتسل ويحرم ويقول كذا، ويفعل كذا، ويصلّي كذا، ويقرأ كذا، ويطوف بهذا البيت كذا، ويسبّح كذا، ويصنع كذا، أشياء قد رتّبها وذكرها من كلام نفسه، قال: فإذا فرغ من ذلك، فقد سقط عنه الحجّ إلى بيت الله الحرام.

وهذا شيء معروف عند الحلّاجيّة، وقد اعترف لي رجل منهم، يقال إنّه عالم لهم، ولكن ذكر أنّ هذا رواه الحلّاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وقال : ليس عندنا إنّه يستغنى به عن الحجّ، ولكنّه يقوم مقامه، إن لم يقدر على الخروج، بإضاقة أو منع أو علّة، فأعطاني المعنى، وخالف في العبارة.

قال لي أبو الحسين: فسئل الحلّاج عن هذا، وكان عنده إنّه لا يوجب عليه شيئا، فأقرّ به، وقال: هذا شيء رويته كما سمعته…

[ خطورة دعوة الحلاج ]

1-ذكر التنوخي في نشوار المحاضرة أن حامدا الوزير قال للخليفة العباسي المقتدر : يا أمير المؤمنين: إن بقي، قلب الشريعة، وارتدّ خلق على يده، وأدّى ذلك إلى زوال سلطانك…

2-قال ابن النديم في الفهرست: قرأت بخط أبي الحسين عبيدالله بن أحمد بن أبي طاهر طيفور :… وكان جاهلا مقداما متدهورا جسورا على السلاطين ، مرتكبا للعظائم ، يروم إقلاب الدول.

[ الحلاج والحُكم ]

1-ذكر التنوخي في نشوار المحاضرة : أخبرني بعض أصحابه من الكتّاب، قال: خرج له توقيع إلى بعض دعاته، تلاه عليّ، فحفظت منه قوله فيه: وقد آن الآن أوانك، للدولة الغرّاء، الفاطميّة الزهراء، المحفوفة بأهل الأرض والسماء، وأذن للفئة الظاهرة، مع قوة ضعفها في الخروج إلى خراسان، ليكشف الحقّ قناعه، ويبسط العدل باعه.

2-نقل ابن خلكان في وفيات الأعيان عن الجويني في كتابه الشامل : إن هؤلاء الثلاثة تواصوا على قلب الدولة، والتعرض لإفساد المملكة، واستعطاف القلوب واستمالتها، وارتاد كل واحد منهم قُطراً: أما الجنابي فأكناف الأحساء، وابن المقفع توغل في أطراف بلاد الترك، وارتاد الحلاج قُطر بغداد، فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن درك الأمنية لبعد أهل العراق عن الانخداع.

[ من اعتقاد أصحاب الحلاج فيه ]

1-قال التنوخي في نشوار المحاضرة : وأهل مقالته الآن يعتقدون أنّ اللاهوت الذي كان حالّا فيه حلّ في ابن له بتستر.

2-قال المعري في رسالة الغفران : وفي الصوفية إلى اليوم من يرفع شأنه ، ويجعل مع النجم مكانه ، وبلغني أن ببغداد قوما ينتظرون خروجه وأنهم يقفون بحيث صُلب على دجلة يتوقعون ظهوره ، وليس ذلك ببدع من جهل الناس.

3-ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أن بعض أتباع الحلاج حضر في مجلس فأحضر له في المجلس شيء غريب فسئل عنه ” فدافعه الجواب واستعفاه منه ، وألح عليه في السؤال فعرّفه أن تلك القدر رجيع الحلاج ، وأنه يُستشفى به ، وأن الذي في القوارير بوله!! “.

[ ادعاء الألوهية ]

1-قال أبو العلاء المعري في رسالة الغفران : وكان في كتبه : إني مغرق قوم نوح ومهلك عاد وثمود.

2-قال ابن مسكويه في كتابه تجارب الأمم : وظهر عنه بالأهواز وبمدينة السلام أنّه ادّعى أنّه إله وأنّه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف من الناس.

3-وقال عبدالقاهر البغدادي في الفرق بين الفرق : والذين نسبوه إلى الكفر وإلى دين الحلولية حكوا عليه أنه قال:  من هذب نفسه في الطاعة وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين ، ثم لا يزال يصفو ويرتقى في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية ، فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ حل فيه روح الإله الذي حل في عيسى بن مريم ، ولم يرد حينئذ شيئا إلا كان كما أراد ، وكان جميع فعله فعل الله تعالى ، وزعموا أن الحلاج ادعى لنفسه هذه الرتبة ، وذكر أنه ظفروا بكتب له إلى اتباعه عنوانها : من الهو الذي هو رب الأرباب المتصور في كل صورة إلى عبده فلان ، فظفروا بكتب اتباعه إليه وفيها : يا ذات الذات ومنتهى غاية الشهوات ، نشهد أنك المتصور في كل زمان بصورة ، وفي زماننا هذا بصورة الحسين بن منصور ، ونحن نستجير لك ونرجو رحمتك يا علام الغيوب.

4-وروى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسنده أن ابنة الحلاج قالت لزوجة أخيها : اسجدي له [ أي للحلاج ] فقلت لها : أو يسجد أحد لغير الله ؟ وسمع كلامي لها ، فقال : نعم ، إله في السماء وإله في الأرض.

[ الحلاج والقرآن ]

قال عبدالقاهر البغدادي في الفرق بين الفرق : وقال عمرو بن عثمان : كنت أماشيه يوما فقرأت شيئا من القرآن ، فقال : يمكنني أن أقول مثل هذا.

[ من عظائم الحلاج ]

1-قال ابن النديم في الفهرست : يدعي عند أصحابه الإلهية ، ويقول بالحلول ، ويظهر مذاهب الشيعة للملوك ومذاهب الصوفية للعامة ،وفي تضاعيف ذلك يدعي أن الإلهية قد حلّت فيه ، وأنه هو هو ، تعالى الله جل وتقدس عما يقول هؤلاء علوا كبيرا .

2-روى الخطيب البغدادي بسنده في تاريخ بغداد : قال أبو بكر بن حمشاذ: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها بالليل ولا بالنهار ، ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه : من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان ، فوجه إلى بغداد، قال: فأحضِر، وعُرض عليه، فقال: هذا خطي وأنا كتبته.

فقالوا: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية؟ فقال: ما أدعي الربوبية، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله، وأنا واليد فيه آلة !

[ الحلاج وزعم العودة للدنيا بعد الموت ]

روى الخطيب البغدادي بسنده في تاريخ بغداد عن أبي عمر بن حيويه : لما أخرج حسين الحلاج ليُقتل مضيتُ في جملة الناس ، ولم أزل أزاحم حتى رأيته ، فقال لأصحابه : لا يهولنكم هذا ، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما ، ثم قُتل.

قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان : رواها عنه عبيدالله بن أحمد الصيرفي وإسنادها صحيح.

[ انكشاف أمره للناس ]

روى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي يعقوب الأقطع قال : زوجت ابنتي من الحسين بن منصور لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده ، فبان لي بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال خبيث كافر.

[ من جهل الحلاج ]

1-في كتاب أخبار الحلاج لعلي بن أنجب البغدادي أن إبراهيم بن فاتك دخل على الحلاج فقال له : يا بنيّ ، إن بعض الناس يشهدون عليّ بالكفر وبعضهم يشهدون لي بالولاية ، والذين يشهدون عليّ بالكفر أحب إليّ وإلى الله من الذين يقرون لي بالولاية.

فقلت : يا شيخ ولم ذلك؟

فقال : لأن الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنهم بي ، والذين يشهدون علي بالكفر تعصبا لدينهم ، ومن تعصب لدينه أحب إلى الله ممن أحسن الظن بأحد!

2-وفي كتاب ابن أنجب البغدادي أيضا أن الحلاج قال : لو ألقي مما في قلبي ذرة على جبال الأرض لذابت ، وإني لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار ، ولو دخلت الجنة لانهدم بنيانها!

3-وفي كتابه أيضا : عن عثمان بن معاوية أنه قال : بات الحلاج في جامع دينور ومعه جماعة فسأله واحد منهم ، وقال : يا شيخ ما تقول فيما قال فرعون ؟ قال : كلمة حق ، فقال : ما تقول فيما قال موسى ؟ قال : كلمة حق ، لأنهما كلمتان جرتا في الأبد كما جرتا في الأزل!

4-كتابه أيضا عن الحلاج أنه قال :الكفر والإيمان يفترقان من حيث الاسم ، وأما من حيث الحقيقة فلا فرق بينهما!

[ فائدة ]

التزمت في هذه الكتابة أني لا أنقل شيئا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حول شخصية الحلاج ، مع أن له رسائل حول الحلاج كما في جامع المسائل ( الطبعة الثانية ) : المجموعة الرابعة 4/384 والسابعة 7/ 452 وفي ثنايا كتبه كلام كثير حول الحلاج ، وسبب عدم نقلي عن ابن تيمية لبيان أن كلام الأئمة على الحلاج قبل ابن تيمية بقرون.

[ فائدة ]

من أعلم الناس بالحلاج ومقالاته ابن الجوزي البغدادي رحمه الله ، فقد جمع في أخباره كتابا مستقلا ، قال رحمه الله في تلبيس إبليس : وقد تعصب للحلاج جماعة من الصوفية جهلا منهم وقلة مبالاة بإجماع الفقهاء … وقد جمعت في أخبار الحلاج كتابا بينت فيه حيله ومخاريقه ، وما قال العلماء فيه ، والله المعين على قمع الجهال.

[ الخاتمة ]

فهذه نبذة يسيرة عن حال الحلاج توضح بجلاء ووضوح بُعد هذه الشخصية عن العقيدة الإسلامية الصحيحة ، وأن لديه تطلعات لأمور الحكم والملك وقلب الدول ، بالإضافة إلى تطاوله على رب العزة جل جلاله مع تعلم السحر والشعوذة والدجل …

اللهم يا كريم جنبنا الفتن والزلل وثبت قلوبنا على دينك